" اللهم استرنا فوق الارض و تحت الارض و يوم العرض عليك "

للمزيد ادخل على الرابط التالى
http://gergahistory.blogspot.com.eg/2015/10/blog-post_1.html

تمهيد الوثيقة
ترددت كثيرًا قبل نشر هذه الوثيقة، لما تحمله من صدمة قاسية في تاريخ مديرية جرجا، تلك المديرية التي عُرفت طويلًا بأنها منبع للعلم والعلماء. وكان من أهم أسباب هذا التردد احتواء الوثيقة على أسماء وعناوين تفصيلية، وهو ما تطلّب قدرًا من التحفظ والمسؤولية الأخلاقية.
غير أن البحث المتعمق في السياق التاريخي أظهر أن بعض الظواهر التي نستنكرها اليوم، وعلى رأسها الدعارة، كانت مقنّنة قانونيًا في مصر خلال فترات سابقة، خاصة في عهد الملكية وما قبلها، وهو ما تؤكده وثائق رسمية متعددة، لا تخص جرجا وحدها بل مناطق أخرى من البلاد.
وبما أن هذه الصفحة معنية بالتاريخ وتوثيق وقائعه، ولأن الوثيقة منشورة بالفعل في عدة مواقع إلكترونية وصحفية، فقد انتفى الحرج من إعادة نشرها، مع الالتزام بطمس الأسماء والعناوين، إذ إن نشرها أو الامتناع عنه بات سيّان بعد تداولها على نطاق واسع.
نسأل الله الستر في الدنيا والآخرة.
نشأة إحدى أخطر شبكات الدعارة المنظمة في مصر
تعود هذه القصة إلى النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حيث كان شاب يُدعى إبراهيم الغربي يعمل مع والده في منطقة كورسكو بأسوان، في تجارة الرقيق، وهي تجارة كانت رائجة آنذاك على امتداد خط النيل الإفريقي، وتعتمد على خطف البشر أو شرائهم بالتعاون مع تجار أجانب.
وفي عام 1877، صدر القرار الرسمي بإلغاء تجارة الرقيق في مصر في عهد الخديوي إسماعيل، بالتعاون مع السلطات البريطانية، الأمر الذي أدى إلى انهيار هذا النشاط كمصدر للدخل. حاول إبراهيم ووالده الاستمرار فيه سرًا، إلا أن تشديد الرقابة العسكرية على الحدود الجنوبية أنهى هذا النشاط تمامًا.
ومع تراجع مصادر الرزق، قرر إبراهيم الغربي الانتقال إلى القاهرة عام 1896. وباعتباره غير متعلم ولا يملك خبرة سوى في تجارة البشر، اتجه إلى مجال قريب في طبيعته، فبدأ العمل في تنظيم الدعارة، التي لم تكن آنذاك منظومة متكاملة، بل نشاطًا عشوائيًا مرتبطًا بمواقع تمركز الجنود الأجانب بعد الاحتلال البريطاني.
التحول إلى إمبراطورية منظمة
بدأ إبراهيم نشاطه باستئجار منزل صغير في حي بولاق، ثم توسّع تدريجيًا، حتى امتلك خلال سنوات قليلة عدة بيوت دعارة، كان أبرزها في منطقة الأزبكية. ولم يقتصر نشاطه على إدارة البيوت فقط، بل أدخل أنماطًا جديدة من الترفيه الخليع، ما أدى إلى رواج غير مسبوق.
ومع اتساع النشاط، اضطرت السلطات المصرية، بالتعاون مع الاحتلال البريطاني، إلى تقنين الدعارة رسميًا، عبر إصدار لوائح تنظم الترخيص والكشف الطبي، وهو ما أضفى غطاءً قانونيًا على نشاط إبراهيم الغربي، الذي تحوّل إلى أكبر منظّم لهذا المجال في مصر.
وبحلول عام 1912، كان يدير أكثر من 15 بيت دعارة في الأزبكية وحدها، يعمل بها ما يزيد على 150 امرأة، إلى جانب شبكة واسعة من الوسطاء والحراس والمتعاونين، وامتد نفوذه إلى دوائر سياسية واجتماعية نافذة.
المواجهة الأولى مع الدولة
في عام 1916، وأثناء الحرب العالمية الأولى، أعلنت الأحكام العرفية في مصر. وأصدر حكمدار القاهرة أوامر بحملة واسعة لضبط بيوت الدعارة غير المرخصة، وأُنشئ معتقل خاص لذلك الغرض. وعلى الرغم من القبض على أعداد كبيرة من العاملات، لم يكن إبراهيم الغربي من بينهم، ما أثار تساؤلات حول نفوذه.
لاحقًا، صدر أمر مباشر بالقبض عليه، وتم إيداعه المعتقل لمدة عامين، قبل أن يخرج لاحقًا أكثر نفوذًا واتساعًا في نشاطه.
ذروة النفوذ والانهيار
بعد خروجه من المعتقل، توسعت إمبراطوريته لتشمل شبكة اتجار منظم في النساء داخل مصر وخارجها، ووصل نفوذه إلى أوروبا. وأصبح المتحكم الرئيسي في تسعير وإدارة الدعارة المنظمة في القاهرة والأقاليم، مستخدمًا وسائل الخطف، الإكراه، أو الخداع.
وفي عام 1923، فجّرت النيابة العامة قضية كبرى تتعلق بخطف القاصرات، على خلفية بلاغ طبي عن فتاة لم تتجاوز الرابعة عشرة من عمرها. وكشفت التحقيقات عن شبكة واسعة لتجنيد الفتيات قسرًا، تورط فيها متعاونون من مختلف المحافظات، وأثبتت التحقيقات وجود ما لا يقل عن 400 حالة بيع لفتيات.
ونُشرت تفاصيل القضية في جريدة الأهرام بتاريخ 23 أكتوبر 1923 بعنوان:
«الرقيق الأبيض: 400 فتاة في أسواق الفجور».
المحاكمة والنهاية
داهمت الشرطة ممتلكات إبراهيم الغربي، وضُبطت كميات هائلة من الذهب والمجوهرات، وأموال طائلة، ووثائق تثبت امتلاكه عشرات بيوت الدعارة في مناطق مختلفة من القاهرة. وأُحيل للمحاكمة عام 1924، حيث صدر بحقه حكم بالأشغال الشاقة لمدة خمس سنوات.
لم يحتمل ظروف السجن، وتدهورت حالته الصحية، حتى توفي في 25 أكتوبر 1926، وبموته انهارت أكبر إمبراطورية دعارة منظمة عرفتها مصر الحديثة.
إلغاء الدعارة رسميًا في مصر
استمرت آثار هذه الظاهرة حتى منتصف القرن العشرين، إلى أن قاد النائب البرلماني سيد جلال حملة تشريعية وأخلاقية طويلة لإلغاء الدعارة الرسمية في مصر. واستمرت جهوده سنوات، حتى صدر القرار النهائي بإلغائها عام 1947، لتُطوى صفحة سوداء من التاريخ الاجتماعي المصري.
المصادر
مجتمع القاهرة السري (1900–1951) – د. عبد الوهاب بكر
مذكرات توماس رسل باشا
البغايا في مصر – عماد هلال
«ذات يوم.. حكايات ألف عام وأكثر» – سعيد الشحات










































