الاثنين، 15 يونيو 2015

كنوز سوهاج ومعالمها الأثرية كتاب سياحي مفتوح يحكي حكايات الحضارة من عصور ما قبل التاريخ

> سوهاج.. احدى محافظات صعيد مصر الغنية بالآثار، قامت على أرضها ثلاثة اقاليم مصرية قديمة من الاقليم الثامن الى العاشر، وشهدت استيطان الإنسان ارضها منذ عصور ما قبل التاريخ، كما تؤكد ذلك جملة من المستوطنات والمعالم التاريخية.
لم يعرف اسم سوهاج إلا حديثاً، أما قديماً فعرفت باسم "ثني" تلك المدينة التي لعبت دوراً بارزاً في التاريخ المصري القديم، إذ خرج منها - كما تروي كتب المصريات -اولئك الحكام الذين وحدوا قطري مصر، وكان اخرهم الملك "نعرمر".
ثم عرفت سوهاج باسم "ابيدوس" التي اشتهرت بقدسيتها على مدى العصور التاريخية. ثم اطلق عليها "إخميم" التي اشتق اسمها من "خنتامين" اي مقر الاله الامين، والتي عرفت في اليونانية باسم "بانوبوليس" وفي القبطية باسم "خمين" ثم في العربية باسم إخميم، وجميعها مدن تاريخية تحويها حالياً المحافظة الأم "سوهاج" والتي تقع على مساحة 1484 كيلومترا مربعاً.
معالم اثرية
وتعج محافظة سوهاج شأنها شأن بقية محافظات مصر التاريخية - بالكنوز والمعالم الاثرية والتاريخية التي تركها قدماء المصريين عبر حقب تاريخهم الطويل.
ومن بين تلك المعالم التاريخية التي يطيب للزائر رؤيتها، والاستمتاع بالتجوال بين ربوعها يأتي "جبل الهريدي" الذي يقع الى الشرق من قرية نزلة الهريدي على الضفة الشرقية للنيل، في مواجهة مدينة طهطا شمال المحافظة، والذي يحوي مجموعة من المقابر الصخرية التي يرجع تاريخها الى الدولتين القديمة والحديثة، كما يحوي مقاصير خاصة بالإلهين "بتاح" و"جحوتي"، مع العلم ان جبل الهريدي استخدم محجراً في العصور القديمة.
وهناك منطقة "كوم اشقاو" في مدينة طهطا - ايضاً والتي تقوم على اطلال مدينة "واج" عاصمة الاقليم العاشر من اقاليم مصر العليا، والتي عرفت في النصوص اليونانية باسم "افروديتو بوليس"، وهو اسم يشير في معناه الى علاقة المدينة بالآلهة "حاتحور".
وهناك كذلك منطقة "السلاموني" شمال شرق مدينة اخميم، وفيها جبل يحوي جبانة منحوتة في الصخر، وترجع مقابرها الى الدولة القديمة والعصور المتأخرة، والعصرين الروماني واليوناني، وهي تحتوي على مناظر تجمع بين الفنين المصري واليوناني. وفي اعلى جبل السلاموني معبد للاله "مين" اله اخميم، الذي كان يلقب بسيد الصحراء. وشيد المعبد في عهد الملك "آي". وتشير نقوشه الى الترميمات التي أنجزها الملك "آي" في معبد "مين" الكبير في اعقاب مالاقاه من اهمال ابان الثورة الدينية للملك "اخناتون"، والتي عرفت باسم "الثورة الاتونية"، كما تشير نصوص المعبد الى التغيرات السياسية والدينية التي حدثت في مصر في اعقاب وفاة "اخناتون".
والى الغرب من مدينة سوهاج تقع منطقة "اولاد عزاز"، والتي تحوي مقبرة ضخمة يرى اثريون انها شيدت في فترة حكم الملك "توت عنخ آمون"، ويعتقد اخرون أنها تخص الملك "آي". ويكتشف الزائر للمقبرة تعرضها لدمار كبير على رغم عدم استخدامها.
ولا بد لزائر سوهاج أن يعرج على وادي "بير العين" الذي يقع بين جبلي "السلاموني" و"الحواويش" المعروفين في المنطقة. ويحوي الجبل مجموعة من النقوش الصخرية والخربشات بخطوط مختلفة، مثل الهيروغليفية والهراطيقية واليونانية والقبطية، مما يشير الى ان المنطقة شهدت نشاطاً بشريا عبر فترات زمنية طويلة ومتفاوتة على مدى العصور.
ومنطقة "اتريبس" التي تعرف حالياً باسم الشيخ حمد، والتي تقع على مسافة خمسة كيلو مترات جنوب غرب سوهاج، سبق أن عرفت في النصوص المصرية باسم "حت ربيت" اي مقر الآلهة "ربيت" ثم اصبحت في اليونانية اتريبس، وعلى رغم ان الجذور الاولى للمنطقة ترجع الى العصور الفرعونية، الا انها لا تحوي سوى معبد روماني نقشت على جدرانه عشرات المناظر والنصوص التقليدية من العصرين الروماني واليوناني.
هنا ايضا، وعلى بعد ثمانية كيلو مترات جنوب مدينة سوهاج، وعلى الضفة الغربية لنهر النيل تقع منطقة "الهجارسة" التي تحوي جبانة فيها مجموعة من المقابر المنحوتة في الصخر، وفي داخل بعضها لوحات ونقوش متنوعة، فيما خلا البعض الاخر من أي نقوش مما حفز بعض الرهبان الاقباط على اتخاذه مكاناً للعيش والعبادة بعيداً عن الناس.
وتؤرخ مقابر الهجارسة لعصر الاسرتين الرابعة والخامسة، وبينها مقبرة من الاسرة السادسة ايضاً. ومن بين مقابرها الطريفة مقبرة لشخص يدعى "مري عا" تحوي صوراً لست زوجات لصاحب المقبرة ، وهو عدد كبير من الزوجات لشخص عادي في مصر القديمة.
وهناك مقبرة لاخر يدعى "كا إم نفرت" وزوجته، ومقبرة اخرى لشخص يدعى "مرى" وهو من الاسرة السادسة.
وتنفرد مقابر الهجارسة، بالاضافة الى مشاهد الحياة اليومية والدينية على جدرانها في تلك العصور، بمناظر لمصارعة وقتل الثيران في الحقول، وهي مناظر ليست شائعة في المقابر المصرية. وتلقي نصوص مقابر الهجارسة - ايضا - الضوء على الحياة الاجتماعية والسياسية في مصر إبان عصر الانتقال الاول الذي يعد من أكثر الفترات غموضاً في التاريخ المصري القديم.
وفي جنوب محافظة سوهاج، وعلى بعد ستة كيلو مترات من مدينة جرجاً، تقع منطقة "بيت خلاف" التي عثر الاثريون فيها على مصطبتين كبيرتين من الاسرة الثالثة، وكان هناك اعتقاد سائد بين الاوساط الاثرية بان احدى المصطبتين تخص الملك "زوسر"، ثم تبين انها لاحد كبار رجال الدولة في عهد حكم الملك زوسر، وعثر فيهما على أختام ومجموعة كبيرة من الاواني الفخارية والحجرية، والى الشمال من بيت خلاف تقع منطقة "الرقاقنة" التي تحوي مصاطب مشيدة بالطوب اللبن من الاسرتين الثالثة - والرابعة، على غرار مصاطب اولاد خلاف.
والى الجنوب من اولاد خلاف تقع منطقة "المحاسنة"، التي عثر فيها على مقابر من عصر ما قبل الاسرات، ومن العصر العتيق، وحوت المقابر الكثير من الادوات والأثاث الجنائزي الذي كان يصاحب المتوفي.
وقبالة مدينة جرجا، وعلى الضفة الشرقية من نهر النيل تقع قرية نجع الدير التي تحوي مجموعة من الجبانات يعود تاريخها الى عهود مختلفة منذ عصور ما قبل الاسرات، وحتى نهاية الدولة الحديثة. وتتبع جبانات المنطقة مدينة "ثني" التاريخية.
وتتميز جبانات نجع الدير بانها تحوي مجموعة من حجرات الدفن البيضاوية والمستطيلة، والتي عثر فيها على اجساد في وضع القرفصاء. وتعد مقابر العصر العتيق من اهم جبانات المنطقة لكثرة ما وجد فيها من اثاث جنائزي ولوحات جنائزية. والى الجنوب من نجع الدير تقع منطقة "المساعيد" التي عثر فيها على 70 مقبرة يرجع تاريخها إلى فترة حضارة نقادة الثانية والثالثة.
وهناك - ايضا - منطقة "المشايخ" الاثرية التي تحوي مجموعة مقابر منحوتة في الصخر، ويعود تاريخها إلى عصور متفاوتة، ومنطقة "العمرة" اهم المواقع الاثرية لعصر ما قبل الاسرات في مصر، حيث عثر فيها على مستوطنة وجبانة ترجع الى عصر حضارة نقادة الاولى والثانية، وعثر فيها على مجموعة من "الدفنات" في حفر بيضاوية ضمت الكثير من الاثاث الجنائزي.
الحواويش
الحواويش واحدة من المعالم الاثرية المهمة في سوهاج وتحوي بين جنباتها جبانتين اثريتين، الاولى تقع اسفل هضبة تعلوها ثلاثة اديرة، ويرجع تاريخ مقابرها الى عصر ما قبل الاسرات، والعصور الفرعونية واليونانية والرومانية، والقبطية والاسلامية. وتعرضت مقابر هذه الجبانة للنهب والتدمير.
اما الجبانة الثانية فتحوي مئات المقابر المنحوتة في سلسلة الجبال الشرقية لسوهاج.
وتخص المقابر كبار الموظفين والكهنة في عصر الدولة القديمة وعصر الانتقال الاول، وتزخر مقابر عدة بنقوش ولوحات بديعة وآثار ونصوص تلقي الضوء على الحياة اليومية في اخميم عاصمة الاقليم التاسع من اقاليم مصر العليا، ويحوي بعضها سجلات لاسر بعينها، والمهن التي مارستها.
ومن بين المقابر المهمة التي تلفت نظر الزائر للمنطقة مقبرة "حم مين" الذي كان حاكما للصعيد في الاسرة الخامسة، واتخذ من اخميم مقراً لحكمه، وتشير مقابر الحواويش الى اهتمام حكام اخميم بالفن، ورقي الفن المصري القديم ابان حكمهم. تقع اخميم على الضفة الشرقية من نهر النيل، قبالة مدينة سوهاج. وكانت عاصمة للاقليم التاسع من اقاليم مصر العليا، ومركزاً لعبادة الاله "مين" إله الإخصاب في مصر القديمة، كما لعبت دوراً بارزاً في العصور اليونانية والرومانية والبيزنطية والاسلامية.
وتقوم مدينة اخميم الحالية على بحيرة من الكنوز الاثرية. وجرى الكشف عام 1982 عن اجزاء من معبد للملك رمسيس الثاني تحت مساكن المدينة الحالية، كما عثر اسفل جبانة المسلمين في إخميم على تمثال رائع للاميرة "ميريت آمون" ابنة الملك رمسيس الثاني، ويعد اجمل واضخم تمثال مستقل عثر عليه لامرأة في مصر الفرعونية، بالاضافة الى تمثال آخر للملك رمسيس الثاني لم يستكمل الكشف عن بقيته بعدُ لوقوعه اسفل مقابر المسلمين في المدينة.
تقع "ابيدوس" في مركز البلينا جنوب محافظة سوهاج، وعرفت في النصوص المصرية القديمة باسم "آبجو" و"آبدو" ثم اصبحت في اليونانية "ابيدوس" وهو الاسم المعروفة به حالياً.
وتحوي ابيدوس الكثير من المعابد ومقابر الملوك والقبور الاخرى التي يرجع تاريخها الى اقدم العصور، والتي تجذب اليها زواراً كثيرين نظرا إلى النقوش البارزة للمعبدين العظيمين اللذين تضمهما وهما معبد الملك سيتي الاول، ومعبد الملك رمسيس الثاني، اللذان تتجلى فيهما عجائب النحت والالوان.
وترجع اهمية ابيدوس الى بداية التاريخ، حيث اقام فيها ملوك العصر الثني - او الطيني - جباناتهم على الجبل الصخري الضخم الممتد امام الضفة الغربية الصخرية الجميلة.
وكانت هيبة مدينة ابيدوس عظيمة دائما إذ كان مجرد النطق بهذا الاسم يعيد الى الاذهان فكرة الاله اوزيريس حارس الحياة الابدية في مصر القديمة والتي صارت ابيدوس احدى مقابره الكثيرة، اذ تقول اسطورة قديمة إن رأس ذلك الاله المقطع الاوصال قد دفنت في ابيدوس، من هنا كان الحج الى ابيدوس جزءاً مهماً من الحياة الدينية قديماً في مصر.
وتشير كتب المصريات ونصوص معابد ابيدوس الى الحج لابيدوس، وتمجده وتخلد ذكراه على انه احد الاعياد العظمى، وتحكي للزائر كيف "كان كهنة اوزيريس يحملون تمثاله على اكتافهم بعد تزيينه بالحلي الثمينة، ويذهبون به الى القبر، كما كانوا يمثلون قصة انتصار اوزيريس على الشر، وينشدون التراتيل الجنائزية، ويدفنون تمثالاً على شكل المومياء تبعاً لطقس سري، وهكذا كانت ابيدوس ملتقي جمع غفير من الاشخاص احياء وامواتاً بين الحجاج القادمين ليبكوا سيدهم المتألم وليدا فعوا عنه وارواح الموتى التي كانت تأتي بقوة السحر في قوارب اعطيت لها لهذا الغرض" وكذلك فعل الملوك امثال رمسيس الثاني وسيتي الاول الذين اقاموا معابد جميلة في ابيدوس لعبادة اوزيريس، والنبلاء الذين بنوا قبورهم ومعابدهم الصغيرة قرب المعبد الاكبر، وعامة الشعب الذين ترقد اجسادهم في حفر على حافة الصحراء، والاسرات الكثيرة التي رسمت صور أفرادها على لوحات حجرية صغيرة.
والحقيقة ان كل اولئك الذين جاؤوا الى سلم ذلك الاله العظيم استطاعوا ان يفيدوا من تلك الطقوس الدينية التي كانت تقام لاوزيريس "إله الغرب العظيم".
"ترميمات اثرية"
إلى ذلك بدأ خبراء المجلس الاعلى للآثار المصرية العمل والاعداد لتنفيذ مشروع ترميم 14 مقبرة اثرية منحوتة في صخور جبال سوهاج تم اكتشافها حديثاً، ويقول المدير العام لمشاريع آثار الوجه القبلي والواحات المهندس محمد علي سلام ان المشروع الذي سينفذه مرممون واثريون مصريون يشمل اعمال تنظيم ورفع الاتربة التي تنتج عن الحفريات، وتثبيت النقوش والألوان وتقوية العناصر الاثرية القابلة للتلف، واعداد المنطقة وتمهيدها لتكون مزاراً سياحياً.
ويضيف إن المقابر التي اكتشفت في شهر ايلول سبتمبر الماضي يعود تاريخها الى عهد الدولتين القديمة والوسطى في مصر الفرعونية.
ويتابع المدير العام لمشاريع اثار الوجه القبلي والواحات في حديثه إلىپ"الحياة" ان المجلس الاعلى للآثار المصرية شرع في الاعداد لتنفيذ مشروع ضخم لنقل جبانة المسلمين في مدينة اخميم الى المنطقة الصحراوية في المدينة لاستكمال اعمال الكشف والتنقيب عن الاثار في المنطقة التي يعج باطن ارضها بالكنوز الاثرية، وذلك بكلفة تقدر بنحو خمسة ملايين جنيه مصري. كما شُرع في مشروع اخر لتطوير مقابر الحواويش، وذلك ضمن مخطط عام لترميم المناطق الاثرية في محافظة سوهاج وتطويرها والعمل على فتح مزارات اثرية جديدة امام السياح.


منقول من جريدة الحياة
رابط المقال 

daharchives.alhayat.com/.../منها-خرج-موحدو-القطرين-المصريين-كنوز-سو...